لـــــماذا نــــــــموت ؟
![]() |
| لـــــماذا نــــــــموت |
ولعل أبشع هذه المعتقدات المغلوطة عن الله، تلك التي يقدم فيها الشيطان للبشر أعتقاداً مفاده، أن الله من البداية قدر للأنسان أن يموت، فالكثيرين بكل أسف مقتنعين بأن الله عندما أسس الخليقة، صمم الأمور من البداية أن يعيش الأنسان فترة ثم يموت، وبذلك يكون الله قد أوجد الموت وأوجد معه مسبباته وتوابعه مثل المرض، والجوع، والكوارث، والألم، والحزن، ..... إلخ.
إن أعتقاداً مثل هذا هو أهانة سافرة لله عز وجل، فهو يقدم الله بأعتباره كائناً سادياً، خلق البشر للمعاناة ثم الموت ثم الزج بهم في نار جهنم خالدين فيها. وعلي النقيض من ذلك تماماً فإن الكتاب المقدس يقدم الله علي أنه كلي الصلاح، وقد صمم الخليقة في أبهي صورها، وعندما أنتهي من عملية الخلق "رأى الله كل ما عمله فإذا هو حسنٌ جداً" (تكوين 1: 31). لاحظ "كل ما عمله" حسنٌ جداً.
إن العالم الذي يحتوي علي الموت، والمرض، والجوع، والكوارث، والألم، والحزن، ..... إلخ. لو كان "حسنٌ جداً" في عين الأله، وهو الذي أوجده من العدم علي هذه الحال، فلا شك أن هذا الأله غير سوي، فكيف يُوجد من العدم شيئاً مشوهاً مثل ذلك، وكيف يراه "حسنٌ جداً"، كان الأفضل له أن لا يخلقه من الأساس، بدلاً من أن يخلقه بهذا التشوه، ولكن حاشا لله أن يكون كذلك. فما خلقه عز وجل في البداية لم يكن يحتوي علي أي سوء بل لقد كان "حسنٌ جداً"
لكن دعني عزيزي القاريء أستعرض معك بعض ملامح الحُسن والجمال في خليقة الله الأولي، لعلي أستطيع أن أنقل لك كيف أن الله صالح ...
أولاً : الكائنات الحية أكلة النباتات :
"وقال الله: «إني قد أعطيتكم كل بقل يبزر بزرا على وجه كل الأرض، وكل شجر فيه ثمر شجر يبزر بزرا لكم يكون طعاماً. ولكل حيوان الأرض وكل طير السماء وكل دبابة على الأرض فيها نفس حية، أعطيت كل عشب أخضر طعاماً». وكان كذلك." (تكوين 1 : 29 ، 30)
لاحظ لم يكن من حق الأنسان أن يأكل كائن حي أخر من الحيوانات، ولم يكن للحيوانات أن تفترس حيوانات أخري، بل لقد خُلق الأنسان والحيوان أكلي نباتات، فالأنسان يأكل البقول وثمار الأشجار، بينما الحيوانات تأكل العشب الأخضر، فلم يكن هناك موت أو أفتراس في حالة الخليقة الأصلية.
إن تغذي الأنسان والحيوان علي النباتات، لا ينطوي علي عملية موت، لاحظ أنه لا يطلق تعبير "نفس حية" علي النباتات سواء في الأصحاح الأول من التكوين أو في كل الكتاب، فالنباتات في المفهوم الكتابي ليست "نفس حية"، "لأن نفس كل جسد هي دمه" (لاويين 17 : 14) فما لا يحتوي علي الدم لا يُعبر عن الحياة المادية بالمفهوم الكتابي الكامل. وعندما سمح الله للأنسان بأكل الحيوانات بعد الطوفان قال له "غير أن لحماً بحياته، دمه، لا تأكلوه." (تك 9: 4). فالحياة المادية بمفهومها الكامل هي في الدم.
والجدير بالذكر هنا أن الفعل "خلق" لم يرد مع عملية أنبات النباتات في اليوم الثالث من ايام ترتيب الخليقة الست، في حين ذُكر بالأرتباط بالحيوانات "فخلق الله ... كل ذوات الأنفس الحية" (تك 1: 21). وذكر بالأرتباط بالأنسان"فخلق الله الإنسان" (تك 1: 27). فالنباتات هي النتاج الطبيعي للأرض بعناصرها التي كان الله قد خلقها في مرحلة سابقة حيث "في البدء خلق الله السماوات والأرض." (تك 1: 1).، فأكتفي الله بالقول "لتنبت الأرض .." (تك 1 : 11)، أما بالنسبة للحيوانات فلقد خلق النفس وهي شيء جديد ليس من نتاج الأرض، وفي حالة الأنسان خلق الروح التي تميزه عن الحيوان وقد كانت أيضاً شيئاً جديداً.
إذاً النباتات في المفهوم الكتابي ليست "نفس حية" ، وعلي ذلك فإن تغذي الأنسان والحيوان علي النباتات في حالة الخليقة الأصلية لم يكن ينطوي علي عملية موت، فلقد جعل الله للأنسان والحيوان النباتات لأطعامهم دون أن يكون هناك حالة موت.
عندما يملك المسيح علي الأرض سوف يقوم بتجديدها (متي 19 : 28) حيث ستكون "أزمنة رد كل شيء" (أعمال 3: 21) إلي حالته الأولي، فستعود الحياة المادية إلي ما كانت عليه في الأصل وستفقد الحيوانات طبيعة الأفتراس وستعود أكلة عشب، لذلك نقرأ "والبقرة والدبة ترعيان. تربض أولادهما معاً، والأسد كالبقر يأكل تبناً. ويلعب الرضيع على سرب الصل، ويمد الفطيم يده على جحر الأفعوان" (إشعياء 11: 7 ، 8 ) "الذئب والحمل يرعيان معاً، والأسد يأكل التبن كالبقر. أما الحية فالتراب طعامها. لا يؤذون ولا يهلكون في كل جبل قدسي، قال الرب»." (إش 65: 25).
ثانياً : المياه فوق الجلد :
"وقال الله: «ليكن جلد في وسط المياه. وليكن فاصلاً بين مياهٍ ومياه». فعمل الله الجلد، وفصل بين المياه التي تحت الجلد والمياه التي فوق الجلد. وكان كذلك. ودعا الله الجلد سماء" (تكوين 1 : 6 – 8 )
هنا نجد الله يأمر بأن يجتمع جزء من المياه فوق الجلد، وهو ما كان يشكل غلافاً مائياً حول الكرة الأرضية، موفراً للأنسان علي الأرض درجة حرارة معتدلة ومناسبة طوال العام، فلم يكن هناك بردٌ ولم يكن هناك حرٌ، بل لقد كانت كل الأيام مشرقة وصحوة، إلا أن هذا الغلاف المائي قد أنفجر بعد 1656 سنة من بداية الخليقة، مُحدثاً الطوفان في ايام نوح، حيث "انفجرت كل ينابيع الغمر العظيم، وانفتحت طاقات السماء. وكان المطر على الأرض أربعين يوماً وأربعين ليلة." (تكوين 7 : 11 ، 12) وهذا ما يشير إليه الرسول بطرس قائلاً "أن السماوات كانت منذ القديم، والأرض بكلمة الله قائمة من الماء وبالماء، اللواتي بهن العالم الكائن حينئذ فاض عليه الماء فهلك." (بطرس الثانية 3 : 5 ، 6)
بعد الطوفان انحسرت المياه تدريجياً مكونة المناطق القطبية المتجمدة من الأرض، وحيث لم يعُد الغلاف المائي موجوداً حول الأرض، نقرأ بعد الطوفان عن تباين فصول السنة والبرد والحر، وهو ما لم يكن موجوداً قبل الطوفان "مدة كل أيام الأرض: زرع وحصاد، وبردٌ وحرٌ، وصيفٌ وشتاءٌ، ونهارٌ وليلٌ، لا تزال»." (تك 8: 22).
ولعله جديرٌ بالذكر هنا أن نلفت الأنتباه إلي دقة الوحي وأتساق أجزاءه معاً في أدق التفاصيل، حيث أن اليوم الثاني من أيام الخلق الست، هو اليوم الوحيد الذي لم يُذكر عما فعله الله فيه أنه حسنٌ، حيث أن الله بعلمه السابق كان يري أن هذا الغلاف المائي بالرغم من فائدته الكبيرة إلا أنه سيكون في يوم من الأيام أداة الدينونة وإبادة كل سكان الأرض تقريباً، لذلك لم يقل عنه بالذات أنه "حسنٌ"، فالدينونة بالنسبة لله هي "فعله الغريب" (اشعياء 28 : 21) "فإنه يُسر بالرأفة" (ميخا 7 : 18).
ومن جهة أخري فإن هذه الملاحظة تؤكد ما أحاول أن أقوله في هذا المقال، وهو أن الله عندما رأي كل ما عمل بعد أكتمال الخلق "حسنٌ جداً" فإن ذلك لا يمكن أن يحتوي علي الموت، والمرض، والجوع، والكوارث، والألم، والحزن، ..... إلخ. فهذه الأمور ليست حسنة أبداً في عين الله.
ثالثاً : الأنسان علي صورة الله وشبهه :
"وقال الله: نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا، فيتسلطون ... على كل الأرض ..." (تك 1: 26).
لقد خلق الله الأنسان علي صورته ليمثله سياسياً علي الأرض فيتسلط عليها، وخلقه علي شبهه ليمثله أدبياً ويدير الأرض طبقاً لصفات الله الصالحة. إن هذه الحالة التي خُلق عليها أدم كانت تقتضي تمتعه بكل الصفات الأيجابية والنبيلة، فلم يكن الأمر فقط أن جسد أدم لم يكن قابل للموت ولكنه أيضاً كان نشيطاً، ذكياً، شجاعاً، وقوراً، ....... وإلي أخره من الصفات الأجتماعية الحميدة، فهو علي صورة الله وشبهه قد خُلق.
عزيزي القاريء، لعل النقاط الثلاثة السابقة تكون قد رسمت أمام ذهنك صورة بسيطة عن الحالة القياسية للخليقة التي أوجدها الله في البداية، ولكن إذا كان هذا هو الحال وقتها، فما الذي بدل الحال، ما الذي أدخل الموت، والمرض، والجوع، والكوارث، والألم، والحزن، ..... إلخ. ؟
إن إجابة الكتاب المقدس علي هذا السؤال واضحة، فلقد قال الله لأدم "وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها، لأنك يوم تأكل منها موتا تموت" (تكوين 2 : 17) وعندما كسر أدم الوصية وأكل من الشجرة تحقق كلام الله، وقبل أن يطرده الله من مكان الشركة معه في الجنة قال له "لأنك تراب، وإلى تراب تعود" (تكوين 3 : 19) ولكن الأمر لم يتوقف عند سريان الموت في جسد أدم بل أمتد تأثير الخطية وعقابها إلي كل بني أدم بل وإلي الخليقة العجماء التي كان أدم متسلطاً عليها فقال له الله "ملعونة الأرض بسببك" (تكوين 3 : 17)
لقد أفسدت الخطية المشهد القياسي والكامل للخليقة الذي أوجدها الله عليه، أفسدت البشر والحجر، أفسدت أدم وأفسدت الخليقة التي كان يرأسها أدم. وأمتد تأثيرها إلي كل بني أدم، حتي الأطفال الذين لم يفعلوا خيراً أو شراً قد يموتون، فعوامل الموت تسري في أجسادنا حتي ونحن أحياء حتي أن الرسول يسميها "أجسادكم المائتة" (رومية 8 : 11) وهذا ما يشرحه الرسول بالتفصيل في رسالة رومية إذ يقول :
"من أجل ذلك كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم، وبالخطية الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس، إذ أخطأ الجميع." (رو 5: 12). " إذ أُخضعت الخليقة للبطل - ليس طوعا، بل من أجل الذي أخضعها - على الرجاء. لأن الخليقة نفسها أيضا ستُعتق من عبودية الفساد إلى حرية مجد أولاد الله. فإننا نعلم أن كل الخليقة تئن وتتمخض معا إلى الآن." (رومية 8 : 20 – 22)
فنتيجة الخطية مات أدم، ويموت كل بني أدم، والخليقة العجماء أُخضعت للبطل والفساد، فحدثت الزلازل وانفجرت البراكين، وسواء البشر أو الحجر أصبح الكل يئن ويتمخض تحت هذه الحالة، ولكن كل ذلك علي رجاء أن يأتي اليوم الذي ستتحقق فيه النتيجة الكاملة لعمل المسيح علي الصليب "حمل الله الذي يرفع خطية العالم!" (يوحنا 1: 29) حيث ستُعتق الخليقة من عبودية الفساد التي لحقتها نتيجة دخول الخطية.
عزيزي القاريء، يروج الشيطان إلي أن الموت، والمرض، والجوع، والكوارث، والألم، والحزن، ..... إلخ. هي أمور أصيلة في الخليقة، وهدفه من ذلك أمرين، الأول هو تشويه صورة الخالق الصالح عند الكثيرين، فكيف يكون صالحاً وقد أوجد من العدم عالماً مشوهاً بهذه الصورة يملئه الشقاء والبؤس ؟ ، والأمر الثاني هو استبعاد فكرة الكفارة والفداء من أذهان البشر، فإذا كان الموت وكل مسبباته ونتائجه أصيلة في الخليقة وقدرها الله من البداية، فنحن لسنا في حاجة لمن يخلصنا منه.
ولكن الحقيقة يعلنها الكتاب المقدس، أن الله خلق العالم في حالة قياسية وخلق أدم غير قابل للموت، ولكن عندما أخطأ أدم دب فيه الموت، ودب الفساد في كل الخليقة التي يرأسها، ونحن بني أدم نموت حتي لو كنا أطفالاً لم نفعل خيراً أو شراً لأننا ورثنا طبيعة الخطية من أدم وبالتالي نموت حتي ولو لم نقترف الخطية فعلياً.
وبالمقابل فإن الكتاب يُعلن أيضاً أن المسيح هو الله متجسداً، وقد جاء ودفع ثمن الخطايا علي الصليب،"لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية." (يوحنا 3: 15) ومن سيقبله في الزمان ويقبل عمله الكفاري علي الصليب سيأتي به في النهاية إلي الحالة الأبدية حيث "سيمسح الله كل دمعة من عيونهم، والموت لا يكون في ما بعد، ولا يكون حزن ولا صراخ ولا وجع في ما بعد، لأن الأمور الأولى قد مضت»." (رؤ 21: 4).
إن السؤال مطروح، وإجابتك ستحدد وجهتك، لماذا نموت ؟
ماجد صبحي - الأسكندرية - مصر
