كلمة أقنوم في النص الكتابي
![]() |
هذا المقال ليس مجرد عرض لغوي أو نقاش جدلي، بل هو تفنيد قاطع لكل هرطقة تُنكر عقيدة الأقانيم والثالوث في الكتاب المقدس، مستندًا إلى النصوص الأصلية التي لم تزوّر، وإلى أقوال الآباء الذين تسلّموا الإيمان من الرسل.
إن الادعاء بأن كلمة "أقنوم" غير موجودة في الكتاب المقدس هو ادعاء باطل مبني على الجهل بالنصوص السريانية والآرامية، وهي لغة الرب يسوع المسيح له المجد ولغة الكنيسة الأولى التي نطقت بها الألسن المؤمنة قبل مجمع نيقية وبعده.
لقد تجرأ البعض بعد نشر مقالي السابق عن الثالوث الأقدس على إنكار وجود هذه العقيدة في الكتاب المقدس، واستندوا إلى حجة واهية مفادها أن "الأقنوم" لم يُذكر حرفيًا! وللرد على هذا الزعم، أقدّم في هذا المقال أدلة قاطعة من النص السرياني.
نص الكنيسة السريانية تظهر بجلاء استخدام كلمة "قنومو" أو "قنومِه" في وصف الذات الإلهية، كما أُعلن عنها في شخص الآب والابن والروح القدس سأستعرض عدة مواضع وردت فيها الكلمة، ثم نُكمل بدراسة تعليم الكنيسة السريانية قبل مجمع نيقية، وأقوال الآباء الذين سبقوا المجمع، مما يقطع الطريق على كل من يدّعي أن الإيمان بالثالوث ووجود الأقانيم اختراع لاحق لا وجود له في النصوص الأولى.
1 في هذا النص يذكر أقنومين وليس أقنوم واحد ويفصل بينهم الوحي المقدس (يوحنا ٥: ٢٦).
لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ، كَذلِكَ أَعْطَى الابْنَ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ،
ܐܝܟܢܐ ܓܝܪ ܕܠܐܒܐ ܐܝܬ ܚܝ̈ܐ ܒܩܢܘܡܗ ܗܟܢܐ ܝܗܒ ܐܦ ܠܒܪܐ ܕܢܗܘܘܢ ܐܝܬ ܠܗ ܚ̈ܝܐ ܒܩܢܘܡܗ ܀
ايكنا جير دلابا ايت خيا بقنومه هكنا يهب اڥ لبرا دنهوون خيا بقنومه.
2 مثال آخر يذكر الوحي المقدس لنا أقنوم الأبن منفردا في (أفسس ٢: ١٥)
أيِ العَداوَةَ، وألغى بِجَسَدِهِ شَريعَةَ موسى بأحكامِها ووَصاياها لِـيَخلُقَ في شَخصِهِ مِنْ هاتَينِ الجَماعتَينِ، بَعدَما أحَلّ السّلامَ بَينَهُما، إنسانًا واحدًا جَديدًا
ܘܰܒ݂ܥܶܠܕ݁ܒ܂ܳܒ݂ܽܘܬ݂ܳܐ ܒ݁ܒܒܶܣܪܶܗ ܘܢܳܡܽܘܣܳܐ ܕ݁ܦ݂ܽܘܩܳܕܶܐ ܒ݂ܦ݂ܽܘܩܕ݁ܳܢܰܘܗ݈ܝ ܒ݁ܰܛܶܠ ܕ݁ܠܰܬ݂ܪܰܝܗܽܘܢ ܢܶܒ݂ܪܶܐ ܒܩܢܘܡܗ ܠܚܰܕ݂ ܒ݁ܰܪܢܳܫܳܐ ܚܰܕ݂ܬ݂ܳܐ ܘܰܥܒ݂ܰܕ ܫܰܝܢܳܐ ܀
وبعلدببوتا ببسره ونموسا دڥوقدا بڥوقدنوهي بطل دلتريهون نبرا بقنومه لخد برنشا خدتا وعبد شينا.
3 مثال آخر يذكر لنا الوحي عن أقنوم الأبن المتجسد الذي صلب على الصليب في الآية 14 ويذكر أقنومه في الآية التي تليه مباشرة (كولوسي ٢: ١٥)
إِذْ جَرَّدَ الرِّيَاسَاتِ وَالسَّلاَطِينَ أَشْهَرَهُمْ جِهَارًا، ظَافِرًا بِهِمْ فِيهِ.
ܘܒ݂ܰܫܠܳܚ ܦ݁ܰܓ݂ܪܶܗ ܦ݁ܰܪܣܺܝ ܠܰܐܪܟ݂ܰܘܣ ܘܰܠܫܰܠܺܝܛܳܢܶܐ ܘܰܐܒ݂ܗܶܬ݂ ܐܶܢܽܘܢ ܓ݁ܰܠܝܳܐܝܺܬ݂ ܒܩܢܽܘܡܶܗ ܀
وبشلخ ڥجره ڥرسي لاركوس ولشليطنا وابهت انون جليايت بقنومه
4 مثال أخير عندما يذكر النص أن باقنومه صنع تطهيرا للخطايا أي أقنوم الكلمة (العبرانيين ١: ٣)
الَّذِي، وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ، وَحَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ، بَعْدَ مَا صَنَعَ بِنَفْسِهِ تَطْهِيرًا لِخَطَايَانَا، جَلَسَ فِي يَمِينِ الْعَظَمَةِ فِي الأَعَالِي،
ܕܗܘܝܘ ܨܡܚܐ ܕܫܘܒܚܗ ܘܨܠܡܐ ܕܐܝܬܘܬܗ ܘܐܚܝܕ ܟܠ ܒܚܝܠܐ ܕܡܠܬܗ ܘܗܘ ܒܩܢܘܡܗ ܥܒܕ ܕܘܟܝܐ ܕܚܛܗܝܢ ܘܝܬܒ ܥܠ ܝܡܝܢܐ ܕܪܒܘܬܐ ܒܡܪܘܡܐ܀
دهويو صمخا دشوبخه وصلما دايتوته واخيد كل بخيلا دملته وهو بقنومه عبد دوكيا دخطهين ويتب عل يمينا دربوتا بمروما.
بالتأكيد ذكر كلمة أقنوم لم يتوقف هنا فهناك العديد من الآيات الأخرى التي تذكر الأقنوم دلالة على ذات الشخص، لكن لكيلا يطول المقال سأتوقف عن طرح الآيات وسأتطرق الى مفهوم الآباء وتعليم الكنيسة السريانية.
الآباء الأولين السريان
إغناطيوس الأنطاكي (استشهد حوالي 108م، أنطاكية – سوريا)
يُعتبر القديس إغناطيوس من أقدم الآباء في منطقة سوريا. في رسالته إلى أهل مغنيسية، كتب يشجّع المؤمنين على الثبات في وحدة الإيمان والطاعة الكنسيّة، وذكر الثالوث الأقدس صراحةً. يقول إغناطيوس: “اجتهدوا أن تثبتوا في فرائض الرب والرسل، لكي تنجحوا في كل ما تفعلونه في الجسد والروح، في الإيمان والمحبة، في الآب والابن والروح القدس، في البدء والنهاية. هذا النص يُظهر بوضوح إيمان الكنيسة الأولى بالله الواحد المثلث الأقانيم، حتى وإن لم يستخدم إغناطيوس لفظ "ثالوث" حرفيًا. كما أنه يربط وحدة الكنيسة بوحدة الآب والابن والروح. وقد اعتمد إغناطيوس في مواضع أخرى على صيَغ مديح تشمل الآب والابن، وأشار إلى المسيح بعبارة “إلهنا” مؤكدًا ألوهيته، مما يلمّح لفهم ضمني لعلاقة الآب والابن والروح في الإيمان المسيحي المبكر.
في نفس الرسالة يلمّح إغناطيوس إلى متّى 28:19 (صيغة المعمودية) وإلى مبدأ “ليكن عند فم شاهدين أو ثلاثة كل أمر” من الكتاب المقدس، حيث يربط بين “اثبتوا… في الآب والابن والروح القدس” وبين وصايا الرب والرسل. هذا يدل على أن تعليم الثالوث كان حاضرًا في فهم الكنيسة بحيث يُستدَلّ عليه ضمنيًا من وصايا المسيح (كمعمودية الأمم باسم الآب والابن والروح).
ثيوفيلوس الأنطاكي (توفي حوالي 183م، بطريرك أنطاكية – سوريا)
يعدّ القديس ثيوفيلوس أحد الآباء الذين استعملوا مصطلح “ثالوث” في الكتابات المسيحية المسجَّلة. في مؤلَّفه “إلى أوتوليكوس” (حوالي 180م)، شرح ثيوفيلوس رموزًا من قصة الخلق تشير للأقانيم الثلاثة. يقول: “وكما أن الأيام الثلاثة التي سبقت خلق النّيرات هي رموز للثالوث الإلهي: الله وكلمته وحكمته” هنا يعرّف ثيوفيلوس الثالوث بأنّه الله (الآب) وكلمته (الابن) وحكمته (الروح القدس ضمن فهمه) – علمًا بأنه يستخدم لفظ “الثالوث” (Τριάς) للإشارة إلى هذه الوحدة الثلاثية. ومن الواضح أنه يستند إلى سفر التكوين، حيث اعتبر الأيام الثلاثة الأولى (قبل خلق الشمس في اليوم الرابع) رمزًا للاهوت الثالوث، واليوم الرابع رمزًا للإنسان. كما يستند ضمنيًا إلى أمثال 8:22-31 حيث تظهر الحكمة الإلهية كشخص مجاور لله، فرأى فيها رمزًا للروح القدس جنبًا إلى جنب مع “كلمة الله” الذي هو الابن.
يستشهد ثيوفيلوس بسفر التكوين 1 (أيام الخلق) ويقرأه روحيًا. فعبارة “قال الله: لنصنع الإنسان على صورتنا” يفهمها بأن الله يخاطب كلمته وحكمته. أي أنّ الآب يخاطب الابن والروح في خلق الإنسان. هذا تفسير ضمني للنص يُظهر عقيدة الأقانيم الثلاثة متعاونةً منذ البدء. ورغم أن ثيوفيلوس لم يستخدم لفظ “أقنوم”، لكنه تحدث عن الله وكلمته وحكمته ككيانات إلهية متميزة تعمل معًا. يُذكر أنه اقتبس أيضًا من المزامير وأمثال سليمان في شرحه، لكنه استخدمها للتدليل على صفات الله وكلمته وحكمته دون أن يفصلهم عن الوحدة الإلهية.
تاتيان الآشوري (حوالي 120–180م، من أصل آشوري – نشط في روما وسوريا)
كان تاتيان تلميذًا ليوستينوس الشهيد، واشتهر بتأليف “الدياطسرون” (مخطوط جمع الأناجيل) للسريان. على الرغم من قلة كتاباته الباقية، فإن خطابه إلى اليونانيين يحوي فقرات تشير إلى فهمه للاهوت الله بكلمته وروحه. وصف تاتيان الله قائلاً: “الله روح” وأن الكلمة (الابن) خرجت منه دون أن تفصله. يقول: “نعرف الله الآب، ونعرِف أنّ له ابناً هو الكلمة؛ هذا الكلمة خرج من قدرة الآب… دون أن يُنقص الآب شيئًا، كما أني أنا حين أتكلّم لا أفقد كلمتي ورغم أن مؤلفات تاتيان التي بين يدينا والباقية لحد الآن لا تقدّم صيغة ثالوثية واضحة، فإن فهمه لله وكلمته وروحه كأبعاد إلهية يظهر التأثير المبكر لفكر الثالوث.
برديصان الأديسي (154–222م، الرها – سوريا العليا)
كان برديصان فيلسوفًا وشاعرًا مسيحيًا مبكرًا في الرها، ويعتبر من أوائل مفكري الكنيسة السريانية. ورغم أن أغلب كتاباته فُقدت، إلا أن شهادات الآباء اللاحقين (مثل أفرام السرياني) تكشف أنه تطرّق لمفهوم الله وثالوثه. من المعروف أنه ألَّف ترانيم دينية نشر بها تعاليمه. نقل عنه المؤرخون أنه، متأثرًا بكون كلمة “روح” مؤنثة في السريانية، ورغم انحراف بعض تفكيره عن الإيمان القويم، إلا أنه بالفعل ذكر الأقانيم الثلاثة وإن كان بطريقته. على سبيل المثال، نشيد النفس المنسوب إليه يلمّح إلى الآب و“ابن الحق” والروح بصورة شاعرية. وتشير بعض المصادر إلى أنه كتب “صلاة المعمودية” التي وردت في كتاب أعمال توما وفيها يستدعى الروح القدس وتُختم باسم الآب والابن والروح مما يعني أنه استخدم الصيغة الثلاثية في الليتورجيا السريانية المبكرة. رغم ذلك، انتقد آباء الكنيسة تعليمه لأن برديصان لم يكن مستقيم الرأي تمامًا بشأن مساواة الأقانيم، فعدّته الكنيسة من أصحاب البدع فيما بعد. ومع ذلك يُظهر إرثه أن فكرة الثالوث كانت معروفة في الدوائر السريانية قبيل مجمع نيقية.
أفرهات الحكيم الفارسي (حوالَي 270–345م، عاش في بلاد فارس ضمن كنيسة المشرق)
يُمثّل أفرهات الحلقة الأخيرة في سلسة تراث ما قبل نيقية، إذ كتب عظاته المعروفة بـ**“البيّنات” (البرهان) حوالي 337 ورغم أنه كتب بعد نيقية بقليل، كان لاهوتيًا مستقلاً عن الجدل النيقاوي متأثرًا بالتقليد السرياني القديم، لذا يُعتبر شاهدًا على إيمان ما قبل نيقية في الشرق السرياني. فرهات يذكر الأقانيم الثلاثة صراحةً في عدة مواضع. فهو يؤكد وحدانية الله مع إيمانه بالابن والروح، فيقول: “نحن نعلم أن الله واحد، ومسيحه واحد، وروحه واحد، وإيمان واحد، ومعمودية واحدة.
أناشيد “أودية سليمان” (القرن الثاني الميلادي، منشأها سوريا)
تمثل الأودية أقدم مجموعة ترانيم مسيحية سريانية وصلتنا، ويُعتقد أنها كُتبت في بدايات القرن الثاني في بيئة يهودية-مسيحية ناطقة بالسريانية
هذه الأناشيد تحمل تعابير ثالوثية واضحة بشكل يسبق الكثير من الشروحات اللاهوتية. في “الأودية” نجد ذكرًا صريحًا للآب والابن والروح القدس معًا. على سبيل المثال، في الأودية رقم 23 يصف الشاعر رؤيا لرسالة إلهية مختومة نزلت من السماء، قائلاً: “وكان اسم الآب مكتوبًا عليها، واسم الابن والروح القدس ليسود إلى أبد الآبدين. هذا نص صريح يجمع الأقانيم الثلاثة معًا كألقاب إلهية مجتمعة.
