هل اختفاء الأصول يدعو للشك فيما بين أيدينا من أسفار قانونية ؟
أ - يتصوَّر بعض النُقَّاد أنه يتعيَّن علينا أن نرفض الأسفار المقدَّسة بحجة ضياع النُسخ الأصلية، فهل يمكن أن نتعامل مع التراث الحضاري بهـذه السذاجـة وهذا المنطق المريض؟! ولو فعلنا هذا، ألا نصبح شعبًا بلا تاريخ ولا تراث ولا قيم؟! ولو سرنا بهذا النهج فإننا سنشك في كل المورث الحضاري، فكتاب الموتى الفرعوني الذي يعلّم الإنسان كيف يعيش حياة فاضلة يصبح بلا قيمة لأن أصله قد فُقد، ومثله الإنتاج الأدبي لهوميروس مثل الإلياذة والأوديسة، وتاريخ هيروديت، ويوسيفوس المؤرخ اليهودي، وكرنيليوس كاسيتوس المؤرخ الروماني، وكتابات شكسبير، بل وكتابات العظماء الذين عاصرناهم مثل طه حسين والعقاد وتوفيق الحكيم...
2 - فقدان الأصول لا يُبطل قيمة النص قط، فمثلًا "وثيقة تحرير العبيد" التي وقَّعها "إبراهام لينكولن" في يناير 1863م، وهيَ مكوَّنة من أربعة أوراق فلوسكاب، وبناء عليها تم تحرير أربعة ملايين عبدًا في أمريكا, ولم تمر ثمان سنوات إلاَّ وشب حريق في شيكاغو سنة 1871م واحترقت هذه الوثيقة، ومع ذلك لم نسمع قط أن إنسان عاقل أو غير عاقل سعى لاسترجاع عبيده، لأن أصل الوثيقة قد احترق وضاع.
3 - لو كانت النسخ الأصلية بين أيدينا الآن، فما أدراك أن النُقَّاد لا يثيرون الشكوك حولها قائلين من يدرينا أن هذه النسخ هيَ النسخ الأصلية ؟! وحتى لو كان صاحب السفر قد مهره بخط يده موقعًا عليه، فسيقولون من يدرينا أن هذا توقيع مرقس أو بطرس أو بولس..؟! ثق يا صديقي أن التشكيك لن يتوقف ما دام المُشكّك (الشيطان) له وجود على هذه الأرض.
👈 سلامة الفروع يؤكد سلامة الأصول:
بلغت مخطوطات العهد الجديد من الانتشار والشهرة ما لم تبلغه مخطوطات أي كتاب أو مؤلَّف آخَر، . فمنذ القرن الثاني الميلادي عمّت هذه المخطوطات أرجاء المسكونة شرقًا وغربًا، فلو افترضنا أن المخطوطة الأصلية (الأم) نسخ منها سبع نسخ فهذه النسخ تمثل الجيل الثاني، فإذا اتفقت النسخ السبعة معًا فهذا دليل على صحة مطابقتها للمخطوطة الأم، فنحن نرى المخطوطة الأم في كل نسخة من هذه النسخ السبعة المتفقة تمامًا بالرغم من تسليمنا بحدوث تغيرات طفيفة في بعضها مثل السهو عن حرف أو كلمة، وعندما ينسخ من هذه النسخ السبعة مائة نسخة فإنها تمثل الجيل الثالث،
وهكذا تتوالى الأجيال من المخطوطات وتتسع القاعدة حتى أننا نقف أما هرم شامخ رأسه المخطوطة الأم، وقاعدته تتسع بتقدم الزمن وزيادة عدد المخطوطات خلال نحو ألف وأربعمائة عام قبل الوصول إلى عصر الطباعة. واتفاق هذه المخطوطات يؤكد لنا صحة مطابقة هذه المخطوطات للمخطوطة الأم، فصحة الفروع وسلامتها يؤكد لنا صحة وسلامة الأصل، وهو المخطوطة الأم، وأنها وصلت إلينا كما أرادها الله أن تصل إلينا. أما الذين يدعوننا أن نطرح هذه الأسفار المقدَّسة لأن أصولها قد فقدت، فهم يشبهون أناسًا مزمعين أن يبدأوا رحلة شاقة وخطيرة، إذ يعبرون خلالها في الصحاري وفي الأدغال حتى تختفي معالم الطريق، وهم يرفضون بشدة أن يحملوا معهم خرائط توضح معالم الطريق وخط السير... لماذا؟.. لأنهم يريدون الخريطة الأصلية التي وضعها رجل الجغرافيا،
أما هذه الخرائط التي هيَ صورة طبق الأصل من الخريطة الأصلية فلا يعترفون بها، وبهذا يفضلون الموت عن الحياة ويكتبون شهادة موتهم بأنفسهم. ويقول "أيريل كيرنز": "قد ساهم النقد الأدنى Lower Criticism في تأكيد درجة الدقة العالية للنص الكتابي الذي بين أيدينا، حتى أننا نستطيع أن نجزم بأننا نملك الكتابات الأصلية لأسفار الكتاب، وتصبح بذلك تعاليم الكتاب وعقائده أقنع من أن تتعرّض للشك ولو من أكثر النُقَّاد تطرفًا"(786).
وبهذا نصل إلى نتيجة هامة جدًا وهيَ أن الكتاب المقدَّس يمثل أدق وثيقة في التاريخ البشري تناولته الأيدي العديدة بنساخة آلاف المخطوطات منه حتى وصـل إلى عصر الطباعة، ويقول "دكتور جورج فرج": "ويمكننا التأكيد بكل ثقة على أصالة نص الكتاب المقدَّس وعدم تعرضه لأي تحريف أو عبث متعمّد، إذ توجد آلاف المخطوطات القديمة التي تحفظ لنا نص الكتاب المقدَّس وبالأخص نص العهد الجديد محل دراستنا، ونجد أن حفظ نص الكتاب لا يقتصر فقط على المخطوطات الأصلية بل قد حُفِظ في الترجمات القديمة التي وصلت إلينا، وكذلك في كتابات الآباء الأولين، إننا نستطيع أن نؤكد بكل ثقة بأن نص كتاب العهد الجديد يمثل أدق وثيقة لكتاب كبير وصل لنا من عصور ما قبل الطباعة في العالم أجمع.
ومع ذلك فيجب التأكيد على حقيقة مهمة وهيَ أنه لا يوجد في الدنيا كتاب تناقل بالنسخ اليدوي تتطابق فيه كل مخطوطاته بدون اختلافات طالما أن الكتاب له عدة نسخ يدوية تم نسخها بشكل بشري قبل ظهور ماكينات الطباعة.
ولكن في نفس الوقت نلفت الانتباه إلى أن نص العهد الجديد اليوناني، يتمتع بميزة مهمة لو قورن بغيره من النصوص القديمة... أن الأبجدية اليونانيــة بهـا حروف متحركة (حروف العلة) كحروف مستقلة، وليس علامة تُوضع أعلى أو أسفل الحروف مثل اللغة العبرية والعربية، ففي تلك اللغات الأخيرة تظهر مشكلة كبيرة عند وجود مخطوط غير مشكَّل، مما تكون هناك احتمالات كثيرة للقراءة. كما أن اللغة العربية تحديدًا بها المشكلة أكبر لتشابه كثير من الحروف فيما بينها، والتمييز بينها يتم فقط عن طريق وضع النقاط على الحروف... ومن ثمَّ تكون احتمالات تنوع قراءات النص الواحد كبيرة للغاية. أما اللغة اليونانية فلا توجد بها مثل تلك الإشكاليات حيث أن وضع النبرات على الحروف المتحركة اليونانية لا يؤثر غالبًا في فهم أي عبارة"(787).
